الغزالي
80
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
17 - باب : في بيان الأمانة والتوبة روي : عن محمد بن المنكدر أنه قال : سمعت أبي يقول : بينما سفيان الثوري يطوف إذ رأى رجلا لا يرفع قدما ولا يضع قدما إلا وهو يصلي على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : فقلت له : يا هذا إنك قد تركت التسبيح والتهليل وأقبلت بالصلاة على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم هل عندك في هذا شيء قال : من أنت عافاك اللّه ؟ فقلت : أنا سفيان الثوري قال : لولا أنك زاهد أهل زمانك ما أخبرتك عن حالي ولا أطلعتك على سري . ثم قال لي : خرجت ووالدي حاجا إلى بيت اللّه الحرام حتى إذا كنت في بعض المنازل ، مرض والدي فقمت بشأنه حتى مات فاسودّ وجهه ، فقلت : إنا للّه وإنا إليه راجعون وغطّيت وجهه فغلبتني عيناي فنمت حزينا ، فرأيت رجلا لم أر أحسن منه وجها ، ولا أنظف منه ثوبا ، ولا أطيب منه ريحا ، يرفع قدما ويضع أخرى حتى دنا من والدي ، فكشف الإزار عن وجهه فأمرّ بيده على وجهه فابيضّ ، ثم ولّى راجعا . فتعلقت بثوبه فقلت : يا عبد اللّه ، من أنت الذي منّ اللّه على والدي بك في أرض الغربة ؟ قال : أو ما تعرفني ؟ أنا محمد بن عبد اللّه صاحب القرآن ، أما أن والدك كان مسرفا على نفسه ولكن كان يكثر الصلاة عليّ ، فلما نزل به ما نزل استغاث بي ، وأنا غياث لمن أكثر الصلاة عليّ فانتبهت فإذا وجه أبي قد ابيضّ . وروي : عن عمرو بن دينار عن أبي جعفر عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « من نسي الصلاة عليّ فقد أخطأ طريق الجنة » . اعلم : أن الأمانة مأخوذة من الأمن لأنه يؤمن معها من منع الحقّ ، وضدّها الخيانة من الخون وهو النقص ، لأنك إذا خنت أحدا في شيء فقد أدخلت عليه النقصان . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : المكر والخديعة والخيانة في النار » .